الرئيس السنيورة: أسعى قدر المستطاع للفصل بين مهامي كرئيس للوزراء وموقعي كمرشّح للانتخابات

ستقوم الحكومة برفع مسودة القانون إلى مجلس النواب في الأسابيع المقبلة ثم يتوقّف الأمر على اجتماع البرلمان الجديد اجرت قناة بلومبرغ صباح اليوم حوارها الشهري مع رئيس مجلس الوزراء فؤاد السنيورة في كلية الادارة والاعمال في الجامعة الامريكية في بيروت بحضور حشد من الطلاب والاساتذة والمهتمين والمختصين في المصارف وقد نقل الحوار مباشرة على الهواء عبر الموقع الالكتروني للقناة وهذا ابرز ما جاء في الحوار الذي دام نحو ساعة ونصف الساعة وشارك فيه الحضور بعد ان رحب به عميد كلية ادارة الاعمال في الجامعة الدكتور جورج نجار في كلمة افتتاحية:




س: كيف تمكن لبنان من تفادي أسوأ أزمة مالية على الإطلاق علماً أن اقتصاد بلادي شهد انكماشاً بنسبة 8% شأن الكثير من اقتصادات العالم. فقد عانت كل الدول الخاضعة للعولمة جرّاء الأزمة المالية، في حين أن لبنان لم يتأثر لا بل شهد نمواً في هذه المرحلة. فما هو السبب برأيك؟

ج: لا يمكننا أن ندّعي أن ثمة سبباً واحداً. فهناك أسباب عديدة اجتمعت لتضع لبنان بمنأى عن هذه الأزمة الضخمة التي هزّت الأسرة الدولية. وأحد أهم الأسباب يكمن في السياسة المالية الحذرة التي اعتمدتها الحكومة اللبنانية ومصرف لبنان وأسلوب العمل التقليدي الذي تنتهجه المصارف اللبنانية. ومن خصائص سلوك المصارف في بلادنا هي أنها لم تجازف في المجهول ولم تغامر في ما لا تعرف أو تدرك.

  أتعني بذلك المشتقات المالية والرهونات؟

  أؤكد لك أن معظم الذين تعاملوا في هذا المجال ما كانوا يدركون مخاطر هذا النوع من الأعمال. وتعاطوا مع هذه المسائل من دون أن يدركوا المخاطر المرتبطة بها. وقد سمحت السياسات التي اعتمدتها الحكومة اللبنانية والسياسة الضريبية بالرغم من الظروف الصعبة التي مررنا بها، بالإضافة إلى السياسة النقدية لمصرف لبنان والتنسيق القائم بين الحكومة اللبنانية ومصرف لبنان طوال هذه المدة بأن يكون لبنان بمنأى عن هذه المخاطر التي شهدناها. وكما تعرفون فإن لبنان لا يزخر بالموارد الطبيعية بل إن غناه الأساسي يكمن في المواطن اللبناني بحدّ ذاته وقدرته على التأقلم مع التغيرات وقبوله في مختلف الأسواق التي دخلها. فقد كان اللبناني مصدر نفوذ أساسي. وبالرغم من الصعوبات التي مرت عليه خلال السنوات الأربعة الأخيرة، تمكن لبنان من الحفاظ على تدفق الأموال كما استطاع في العامين 2007 و2008 وتحقيق نموّ غير مسبوق في إجمالي الناتج المحلي بنسبة 7.5 في العام 2007 و8% في العام 2008. تذكير هنا بأنه خلال هذه الأعوام الأربعة، وبالرغم من الخضات السياسية والأمنية التي عرفناها، نجحنا في تحقيق نموّ مقبول للعامين 2005 و2006 ونموّ غير مسبوق في العامين 2007 و2008. وحققنا زيادة في ميزان المدفوعات وتمكّنّا من تخفيض معدلات التضخم إلى مستويات لم تعرفها العديد من دول المنطقة والعالم. إن التدابير التي اتخذتها الحكومة اللبنانية ومصرف لبنان وسلوك المصارف اللبنانية هي التي سمحت لنا بأن نتجاوز المرحلة الأولى من التسونامي أي الأزمة المالية.

  هل ما زال التسونامي خارج الأراضي اللبنانية وهل إن وزير المالية يخشى من أثر الاقتصاد اللبناني الموازي في الخليج أقصد صرف اللبنانيين من العمل مع تراجع أسعار النفط وتباطؤ الاقتصاد العالمي؟ هل هذه الغيمة تلقي بظلالها على الاقتصاد اللبناني؟

  هي قائمة وتؤثر على الكثير من الدول بدرجات متفاوتة. لا شك بأن لبنان يتأثر وهذا ما قاله العمدة للتوّ. بالطبع تؤثر الأزمة المالية على اللبنانيين في عدة دول خليجية لكن إلى أي مدى لبنان بمنأى عن هذه الأزمة؟ للإجابة عن هذا السؤال، أقول لك أنه في ما يتعلق برأس المال الوافد من المغتربين حتى الآن لم نلاحظ أي انخفاض بل زيادة في ميزان المدفوعات خلال الشهرين الأولين من العام الجاري ونتوقع استمرار هذا المنحى لا بل تحسّن الوضع مقارنة مع الشهرين الأولين من 2008. إن المغتربين في الخليج هم من المحترفين والمؤهلين. وحتى الآن لم يحصل تأثير على نوع العمالة اللبنانية، وحتى لو حصل لن يكون أثر الأزمة كبيراً ما لم تسؤ الأحوال إلى حد بعيد. وهذا مستبعد تحديداً في الخليج. بيد أننا نعتبر أنه لا بد من اتخاذ سلسلة من الإجراءات والاستعداد للأسوأ. إلا أنني أشدد على أن المؤشرات لا تدعو إلى القلق. لكن لطالما تحلّينا بالحذر، وهذا ما يجب فعله لأننا نعدّ لنوعين من المقاربات للتعامل مع الوضع الحالي.

  إن الكثير من الحوالات إلى لبنان تشكل دخلاً للمناطق الريفية أعني بها المناطق اللبنانية الأكثر عرضة للانزلاق في وحول الأزمة. هل يمكنك التعبير عن رأيك في هذا الصدد؟

  من أجل التعامل مع الأزمة وتأثيرها على الاقتصاد اللبناني وعلى النمو المتوقع، نتوقع هذا العام أن يزيد النمو بنسبة 4 بالمائة وما فوق وقد تزيد نسبة النمو في ضوء أي تحسن قد يطرأ على الوضع عامة. ما نحاول فعله على المدى القصير هو العمل على ثلاثة مسارات: تسريع النمو لجهة النفقات الاستثمارية التي تصرفها الحكومة اللبنانية. وفي هذا الصدد معظم النفقات المتعلقة بالبنى التحتية تموّل حصرياً من خلال القروض الميسّرة التي حصلنا عليها في مؤتمر باريس 3 وعبر مجموعة من صناديق التمويل العربية والدولية والدول الشقيقة والصديقة. هذا يغطي مشاريع البنى التحتية المتعلقة بعدة قطاعات في البلاد. هذا ما يخصّ المسار الأول، أما المسار الثاني فهو تسريع وتعزيز عمليات دعم الاستثمارات الخاصة. وفي هذا الصدد استطاع لبنان دعم الاستثمار من خلال منظمة كفالات التي تدعم القطاعين العام والخاص وتقدّم قروضاً ميسّرة معظمها للشركات الصغيرة والمتوسطة الحجم وقد لا تعرفون أن لبنان يوفّر التمويل لمعظم هذه الشركات في شتى القطاعات الاقتصادية وفي كل أرجاء البلاد بفائدة صفرية.

طوال السنوات القليلة الماضية، عملنا على هذا النحو وننوي الاستمرار بهذا المنهج لتعزيز قدرات القطاع الخاص من أجل أن يكون مقداماً وأكثر استقطاباً للأفكار الجديدة من قبل المستثمرين الجدد على الأقل.

  هل ينطبق ذلك على الاستثمار الأجنبي؟

نعم، هذا ينطبق على المستثمر الأجنبي في لبنان والمسار الثالث يقضي بتشجيع توظيف المغتربين العائدين والجدد في السوق. نقترح أن نقدّم لهم مجموعة من الحوافز لجهة إعفائهم من بعض التكاليف، شأن اشتراكات الضمان الاجتماعي بمجملها أو بجزئيتها في السنتين الأوليين من عملهم إلى جانب عدة تسهيلات يجري التخطيط لها وسترفع لمجلس الوزراء للموافقة عليها من أجل تعزيز جوّ الاستثمار ولتحسين الأنشطة الاقتصادية في البلاد. هذه هي إذاً الإجراءات التي نخطط لها على المدى القصير. في المقابل، ستنظر الحكومة قريباً في نصّ سأقدّمه على الأرجح في الأسبوع المقبل حول إستراتيجية على المدى المتوسط والطويل.

في هذا الصدد، ومنذ 1992 وحتى اليوم تم الاستثمار من اجل التعويض عن الوقت الضائع علماً ان لبنان عانى من فترة صدامات داخلية منذ 1975 حتى 1992 ولم تحصل عملياً استثمارات كبيرة في الطرق والمستشفيات والمدارس والمطارات والمرافئ والكهرباء والمياه والصرف الصحي والنفايات الصلبة. كل هذه الأمور بقيت عالقة في هذه الفترة في حين ان البنية التحتية وكل المنشآت ساءت حالها ولم تكن قادرة على تلبية الطلب على المزيد من المدارس والمستشفيات والبنى التحتية الأساسية. ففي هذه الفترة، تم التشديد على المشاريع الوطنية، طرقات عامة ومرافئ ومطارات وغيرها من المشاريع الضرورية في المناطق لتحسين نوعية الخدمات الاجتماعية للمواطنين. لكن الحلقة المفقودة في تلك الفترة هي تمكين مختلف المناطق من استحداث الوظائف. لذلك تمكنا على مر السنين من الاستثمار الجيد في البنية التحتية والتعليم لكن النشاط الاقتصادي الذي يؤدي إلى العرض والطلب في مختلف المناطق لم ينسجم مع ما هو متوقع من اللبنانيين. وما نقوم به في مقاربتنا هو أن نأخذ بعين الاعتبار الظروف العامة ووضع الميزانية وزيادة الدين العام. نريد استحداث شراكة حقيقية بين القطاعين العام والخاص لأن القطاع الخاص يستطيع استقدام رأس المال. وقد أثبت لبنان أنه ملاذ آمن للاستثمار كما أنه يتمتّع بالصلابة والقدرة على مقاومة الصدمات الداخلية والخارجية على حد سواء.

  أنت في آخر أشهر من ولايتك. هل هذا هو الإرث الذي تتركه؟

 هذا ما أظن أنه يجب أن يحصل علماً أن السنوات الأربعة الماضية لم تكن فترة عادية من تاريخ لبنان. نعم سأعود لفكرة الإرث لكن اسمحوا لي أن أشرح اقتراحي وهو بناء شراكة متينة بين القطاعين العام والخاص. يجب أن يقدّم القطاع العام أدوات تحفيز منها التشريعات والتسهيلات والبيئة المؤاتية للاستثمار من جهة والبنية التحتية الضرورية لجذب وتشجيع الشركات الخاصة من جهة أخرى ومعظم هذه الأخيرة يفترض أن تأتي من القروض الميسّرة التي سعينا إلى جمعها خلال السنوات الأخيرة من مؤتمر باريس 3 وغيره والترتيبات الثنائية مع الدول الشقيقة والصناديق العربية والدولية. مما يمكن أن يخلق البيئة الصحيحة من خلال مساهمة القطاع الخاص في تطور النشاط الاقتصادي في مختلف المناطق، وذلك بالنظر إلى الميزات المقارنة وخصائص كل منطقة من حيث قدراتها على اجتذاب الاستثمار وتقديم هذه الحوافز لتمكين القطاع الخاص القادر على استحداث التمويل الضروري في حين أن الحكومة لا يمكنها تقديم المواهب الإدارية والتعامل مع المشاريع الكبيرة في مختلف المناطق. وفي الوقت نفسه، نأمل بأن تخلق هذه المشاريع الكبيرة بيئة أفضل للشركات الصغيرة والمتوسطة الحجم.

  وليد خدوري: ماذا عن إمكانية الاستفادة من النفط في عرض البحر؟

  نظر لبنان في هذه الإمكانية منذ العام .2001 وقد عملنا مع شركة خاصة لمسح منطقتنا الاقتصادية من خلال بعدين وكانت النتائج مشجّعة. في الحكومة السابقة، قمنا بمسح ثلاثي الأبعاد في جزء لا يستهان به من المنطقة الاقتصادية الحصرية وجاءت النتائج مشجعة جداً. طوال السنوات الأربعة الماضية، عملنا على عدة مسارات ومنها وضع سياسة للنفط والغاز وقد اعتمدتها الحكومة السابقة. ونحن الآن في المرحلة الأخيرة من وضع مسودة قانون سترفع إلى مجلس النواب للحصول على موافقته، وذلك بالتعاون مع هيئات إقليمية. وقد بذلنا جهوداً حثيثة في تدريب موظفينا على هذه المسائل. وأتت النتائج مشجعة جداً حتى الآن. والدليل على ذلك أنه جرى الكشف عن المنطقة الاقتصادية في الجنوب وأثبتت نتيجته إمكانية وجود النفط والغاز بكميات تجارية جيدة وكلها في عرض البحر. لذلك تعاملنا مع دول إقليمية أخرى متمرّسة في اكتشاف النفط والغاز في عرض البحر والتنقيب عنهما. لذلك تسير الحكومة اللبنانية بخطوات ثابتة لتطوير القانون المرعي الإجراء أو اعداد الخطوات الضرورية للتعاون مع القطاع الخاص والصناديق الدولية للتنقيب والاكتشاف.

 هل سيتسنى لشركات النفط الدولية المشاركة في هذا المشروع؟

نعم. ستقوم الحكومة برفع مسودة القانون إلى مجلس النواب في الأسابيع المقبلة ثم يتوقّف الأمر على اجتماع البرلمان الجديد وتعتبر هذه المسودة من أهم مسودات القوانين الموضوعة على جدول أعمال المجلس ويصار لاحقاً إلى عرض المشروع للمناقصة.

  هل يمكن التمييز بين البرامج الاقتصادية للأطراف اللبنانية المتنافسة في الانتخابات النيابية القادمة؟

  أسعى قدر المستطاع للفصل بين مهامي كرئيس للوزراء وموقعي كمرشّح للانتخابات. أبذل قصارى جهدي بصدق وبصراحة لهذه الغاية.

يعرف اللبنانيون بتعلّقهم بالسياسيين. لدي سؤالان في هذا الصدد. الأول: نسمع البعض يحذرون اللبنانيين من أن الدعم المالي والاقتصادي الذي يحصلون عليه حالياً سوف يتراجع إذا فازت المعارضة في الانتخابات النيابية، فما هو تعليقك؟ سؤالي الثاني: هل من خطط لإعادة استعمال أنابيب النفط في البداوي التي تضررت جراء الحرب الأهلية؟

  فيما يتعلق بالسؤال الثاني، كنا على تواصل مع العراقيين. وأنا أؤيد العمل العربي المشترك في المشاريع وذكرت في قمة الكويت أهمية العمل على مشاريع كبيرة على الصعيد العربي، منها الطرقات والسكك الحديدية والأنابيب النفطية وتوصيل الأنابيب العراقية إلى دول المتوسط مع سوريا ولبنان وهذا يفترض قيام تعاون بين الدول الثلاثة. وبشكل متواز، قد سعينا إلى الحصول على الغاز من مصر ويفترض ذلك التعاون بين مصر والأردن وسوريا ولبنان. تعتبر هذه المشاريع من أهم المواضيع التي يجب أن يركز عليها القادة العرب ونحن في لبنان أكثر المستفيدين من هذه المشاريع وكلما عمل العالم العربي معاً يكون لينان أول المستفيدين