حلّ خلال 6 أشهر الى 12 شهراً… أو لا حل ! – سركيس نعوم – النهار

لا تستبعد شخصيات أميركية متابعة بدقّة لأوضاع الشرق الأوسط وتحديداً للصراع الفلسطيني – الاسرائيلي، اقدام جهات اميركية عدة على محاولة اقناع الرئيس باراك اوباما بوقف الجهود المبذولة لحل هذا الصراع أو على الأقل لابطائها انطلاقاً من عاملين مهمين في رأيها. الأول، اقتناعها بأن مواصلة الجهود لتثبيت حل الدولتين الفلسطينية والاسرائيلية لا بد ان يزعج اسرائيل التي مالت الى اليمين بغالبيتها. واسرائيل اليمينية ليست مقتنعة بحل الدولتين وحتى بالحل السلمي من اساسه. وهي لا تزال مصرّة على تهويد كامل للقدس ومحيطها ومواصلة قضم الضفة الغربية ورفض أي دولة ترفع علم فلسطين داخل ما تعتبره "حدودها".
أما العامل الثاني، فهو فشل المحاولات التي بذلها رؤساء اميركيون سابقون واداراتهم وكان آخرهم الرئيسان كلينتون وبوش علماً ان الظروف آنذاك على صعوبتها كانت افضل منها اليوم. واوباما لا يتحمل فشلاً مماثلاً وخصوصاً انه لا يزال في مطلع ولايته الرئاسية ويواجه أزمات داخلية وعالمية بالغة الخطورة ذات انعاكاسات سلبية ضخمة اجتماعياً وسياسياً. الى العاملين المذكورين، تعطي الجهات الاميركية نفسها اسباباً ثلاثة من شأنها اقناع ادارة أوباما بتلافي الانخراط في محاولة جديدة لتسوية الصراع الفلسطيني – الاسرائيلي. أولها، ان اعطاء حل هذا الصراع الاولوية لا بد ان يشتت جهود الادارة ويبعدها عن التركيز لمواجهة التحديات الامنية الكبيرة التي تواجهها الولايات المتحدة بسبب العراق وايران وافغانستان وروسيا الارهابية. وثانيها، عدم امكان فرض السلام على الطرفين الاسرائيلي والفلسطيني من الخارج. ذلك ان الحل الوحيد المقبول والقابل للحياة هو الذي يتوصل اليه الطرفان نفسهما. اما ثالث الاسباب، فهو ان ممارسة ادارة باراك اوباما ضغطاً كبيراً على الفلسطينيين والاسرائيليين وخصوصاً على الاسرائيليين من شأنها اغضاب قطاعات ومجموعات اميركية لها دور فاعل في الحياة الاميركية العامة وتملك امكانات متنوعة ضخمة وتالياً تأثيراً كبيراً على الاوضاع السياسية الداخلية والرأي العام.
هل يقنع العاملان المذكوران اعلاه مع الاسباب الثلاثة المفصلة الشخصيات الاميركية المتابعة بدقة لاوضاع الشرق الأوسط اياها؟
لا يبدو الامر كذلك. فالاسباب الثلاثة مع ما سبقها لا قيمة لها في رأيها بل لا اساس لها من الصحة. ذلك ان السلام الفلسطيني – الاسرائيلي بل العربي – الاسرائيلي المبكر لا يمكن الاستغناء عنه لمواجهة اعداء اميركا والعالم والسلام. طبعاً تعرف هذه الجهات ان السلام المذكور لن يمحو تنظيم "القاعدة" وفروعه وأتباعه في العالم. لكنها تعرف انه يجفف "المستنقعات" التي يتغذى هؤلاء منها وانه يقضي ربما على مصدر اساسي للعداء الاسلامي "الشامل" لاميركا. وتعرف ايضاً انه يقلص كثيراً ما كسبته ايران في المنطقة. وتعرف اخيراً انه يساعد في حل الازمات الاخرى في الشرق الاوسط خلافاً لاعتقاد الكثيرين. والإحجام عن محاولة تحقيق السلام يوفر الفرصة التي يحتاج اليها اعداء اميركا الذين اعتمدوا ولا يزالون يعتمدون على الصراع العربي – الاسرائيلي كي يستمروا في تثبيت قوتهم بل زيادة انتشارهم.
اما اسرائيل، تقول الشخصيات الاميركية نفسها، فإن الرأي العام فيها، رغم كل التحولات التي شهدتها وآخرها سيطرة اليمين المتنوعة على الكنيست، يدعم تسوية سلمية منصفة وعادلة وذلك استناداً الى احدث استطلاعات الرأي. وفي الجانب العربي هناك فريق مشابه يتمثل بالدعم غير المسبوق لمبادرة السلام العربية التي اطلقتها قمة بيروت عام 2002 باقتراح من العاهل السعودي عبد الله بن عبد العزيز. وهو دعم ساهم في بروزه بل في تقويته التهديد الذي بدأ العرب يشعرون به، أو بالأحرى دولهم والأنظمة، من ايران والمنظمات الاسلامية الراديكالية. وأوروبا التي لا بد ان يكون لها دور في التسوية المطلوبة لا تستطيع الا ان ترحب بأي مبادرة اميركية سلمية "اوبامية".
طبعاً، تستدرك الشخصيات اياها، قد تغضب مبادرة كهذه قطاعات اميركية في الداخل، لكن لا احد يتصور أن الرئيس سيكون عاجزاً عن شرح اسباب ضرورة انهاء "الصراع" المزمن في الشرق الأوسط للشعب الاميركي وضرورة التزام اميركا تقديم ما يلزم لإنهائه. واذا لم يفعل الرئيس اوباما ذلك في وقت مبكر من ولايته فإنه قد لا يعود قادراً على فعله بعد ذلك. فرصيده السياسي قد يتأكّل مع الوقت وخصوصاً في ظل الأزمة الاقتصادية المالية المخيفة داخلياً وعالمياً. والعقبات الداخلية قد تزداد. وقضايا اخرى قد تحتل الاولوية. وأي فشل في هذا الأمر او أي احجام عن القيام به سيكون مكلفاً. ذلك انه سيقوض الجهود المبذولة حالياً لإضعاف الجماعات المتطرفة وسيضعف الحلفاء المعتدلين لاميركا ودعمهم لإشاعة الاستقرار في العراق ولاحتواء ايران فضلاً عن انه سيقضي على حل الدولتين للصراع الفلسطيني – الاسرائيلي ويقوي المتطرفين في الجانبين.
ما هو المقصود بالتحرك المبكر الذي يفترض أن يقوم به اوباما لحل هذا الصراع؟
الأشهر الستة إلى الاثني عشر شهراً المقبلة تمثل الفرصة الاخيرة للتوصل الى حل عادل ومنصف للطرفين ودائم وقابل للحياة، تجيب الشخصيات الاميركية اياها.