الفصـــــــح – المطران جورج خضر – النهار


"ان الشمس الكائن قبل الشمس، غاب وقتًا ما في الرمس، سبقت نحو الصبح بنات حاملات طيوبا يبتغينه كابتغاء النهار". في موضع موته كان كثير من النساء (متى ٥٥:٢٧) بينهن مريم المجدلية ومريم ام يعقوب الصغير ويوسي، وسالومة، وهنّ اللواتي تبعن يسوع وخدمنه عندما كان في الجليل، وغيرهنّ كثيرات صَعِدن معه الى أورشليم (مرقس ١٥: ٤٠-٤١). ويؤكد لوقا شهادة النساء. الذي حصل، بحسب رواية يوحنا الانجيلي أن يسوع "حنى رأسه وأسلم الروح" وأنّ الجند لما وصلوا الى يسوع وجدوه ميتا فما كسروا ساقيه حتى ينهي الانجيل الرابع كلامه هكذا: "والذي رأى هذا يشهد به وشهادته صحيحة، ويعرف انه يقول الحق".
متى ومرقس ويوحنا كاتبو اناجيل ثلاثة كانوا حول الموضع. حادثة قتل يسوع موثقة بالشهود العيان وبما رواه لوقا وبولس في ما أخذاه عن الشهود الأوائل في كنيسة اورشليم.
حادثة القيامة مشروطة بحادثة الموت على الخشبة. والقيامة هي خروج الناصري من القبر ثم ترائيه مرات عدة لتلاميذه وللإخوة. وهذه الأحداث مترابطة، متماسكة نشأ عنه العيد الذي  نحن فيه وكان فيه اخوتنا الآخرون قبل اسبوع على المعاني ذاتها  والحب الواحد للمخلّص. الجمعة العظيمة والأحد هما في الحقيقة عيد واحد وكانت كنائس آسيا في القرنين الأوّلين تقيم الذكرى يوم الجمعة وكنيستا الإسكندريّة وروما تركّزان على يوم الأحد وفي التعييد الطقوسي لا انفصام.
أهميّة موت المعلّم عندنا ان "اللحم والدم لا يرثان ملكوت الله" وان هذين يجب ان يموتا حتى يتمجّد ناسوت المسيح بالنور وتكون له القدرة على الارتفاع الى الآب. على هذا يركّز بولس في حديثه عن قيامة الأجساد بقوله: "ما تزرعه لا يحيا الا اذا مات". (١ كورنثوس ٣٦:١٥) ولكون المسيح باكورة بحسب تعليم الرسول ايضا فما قاله عن قيامة الأموات في اليوم الأخير يجب قوله عن قيامة المخلّص: "يُدفن الجسم مائتا ويقوم خالداً". ثم يتوسّع بولس حتى يقول: "ومتى لبس هذا المائت ما لا يموت، ولبس هذا الفاني ما لا يفنى"، ثم قول الكتاب: "والموت ابتلعه النصر".
•  •  •
رأينا القيامة تابعة للموت نلمس بينهما علاقة جدليّة وهي علاقة التواصل وعلاقة الانفصال معا. التواصل هو ان الأساسي في جسد يسوع يستمرّ ليكون القائم هو نفسه الذي مات والانفصال او بالحري التمايز ليكون للقيامة تجاوز الموت الذي لحق ببشريّة المخلّص.
واضح التواصل في ظهور السيّد للتلاميذ عشيّة الفصح وبعده بأسبوع كما ورد عند يوحنا. وفي الظهور الثاني أرى توما أثر المسامير في يديه وجنبه المطعون بعد ان شكّ توما في الترائي الأوّل. الأهميّة الكبرى لهذه الشهادة انها تبيّن انّ الذي بدا للرسل مجتمعين مرّتين هو ايّاه الذي عُلِّق على الخشبة وهذا من باب التواصل.
اما من باب الارتقاء عن الجسد البشريّ في تجلّي القيامة فهو ان السيّد دخل عليهم والأبواب مغلقة اي انه في انبعاثه قد تخلّى عن كمدة الجسد الترابي او كثافة اللحم والدم ليلبس جسداً روحانياً وهذا لا يعني أثيريا او شكلا ضبابيّا اذ يطل يسوع بالنور الذي كان كامنا فيه لكنّه كان مستوراً عن أعين الناس حتى يظهر بين الناس واحداً منهم. كان ينبغي ان يلبس جسداً سماويّاً ليتقبّله التلاميذ في نصره وفي تجاوزه الترتيب الأرضي ليفهموا انه الظافر. في هذا التجاوز الذي أدركه ما كان ممكنا ان يبدو لغير المتهيّئين ان يقبلوه.
هذه الجدليّة الفصحيّة قائمة في إنجيل يوحنا حيث يستعمل السيّد جذر المجد ليتكلّم على آلامه. "الآن تمجّد ابن الانسان وتمجّد الله فيه"، او قوله: "مجّدني يا أبتِ بالمجد الذي كان لي عندك قبل كون العالم" (يوحنا ٢٤:١٧). موت السيّد في الإنجيل الرابع ليس ظلاماً لأنّ المسيح ليس فيه ظل ولا شبه ظلّ. هو يتقبّل اوجاعنا طريقًا الى تعالي ناسوتيّته في ألوهيّته. القيامة، اذا شئتم، كانت قد انكشفت في الصليب. "لصليبك ايّها المسيح نسجد ولقيامتك المقدّسة نمجّد" هذا ما نقوله في سحر كل أحد وفي كل ذكرى للصليب. لذلك لا نخضع أنفسنا لألم جسدي تشبّهًا بآلام السيّد. السلوكيّة الوحيدة التي نستمدّها من الصليب هي القضاء على الشهوات. عندما مات المسيح في جسده أطلق فينا قوة القيامة من الموت الذي هو من الخطيئة. الجسد ليس ليتعذّب ولكن ليتمجّد. لا يقرّبنا أيّ وجع بحد ذاته من الله. لك انت ان تستعمله في الصبر. لكن الفرح والسلامة ايضا يقرّبانك من الله. التشبّه بالمسيح هو التشبّه بفضائله. هكذا تصبح انت ايقونته اذا نزل المسيح فليس لتحلّ فيك الأمراض او الآلام ولكن ليرفعها عنك. انت في وسط الألم لك ان تسكن المجد.
بسبب من هذا اللاهوت كان المسيحيون الأوائل يرتدون عند موت عزيز ثيابا بيضاء. اي ما كانوا يعرفون الحِداد. على هذا الأساس اخذ الكثيرون من أبناء كنيستي يهجرون في التعازي عبارة "العوض بسلامتك" ويقولون: المسيح قام والأخ المتعزي يقول: حقًا قام. وهي العبارة التي نستعملها كل الزمن الفصحي اي منذ يوم العيد حتى حلول خميس الصعود. وطوال هذا الزمان نقبّل بعضنا بعضا بقبلة فصحيّة.
•  •  •
ان تكون انسانا قياميا هو ان تؤمن بأن المسيح غلب العالم. الوجع الحقيقي ان تكون مقهور الخطيئة والكآبة وان يؤلمك دوس العالم لك. واذا آمنت ان المسيح "وطئ الموت بالموت" تتحرر من كل كابوس ومن كل مشقة لكونك مدعواً الى فرح مقيم.
الانسان الفصحي هو الذي يعرف وسط كل انشغاله وفي همومه الدنيويّة وفي خسارته للدنيا، ان يركّز حياته على السيّد فلا تذهب به أقدار ويتخطى امتحان المصيبة حتى يعود الى نقطة ارتكازه أعني المسيح في شخصه وصليبه وقيامته.
رجائي ان نعبر جميعا الأسبوع العظيم اليوم بالتوبة. فالعيد رؤية النور الذي يجعلنا نستقرّ في التوبة. غداً يوم تهليل بدوس المسيح الموت الذي عشعش فينا وقهرنا الى حين العيد هو اليقين ان الخطيئة ليست مقرّنا الأخير. لذلك نقبّل بعضنا بعضاً في كلّ الزمن الفصحي متهلّلين بالترتيل. خوفي أن نسترخي بعد جهاد الصوم. في الفصح نستنير ولا نسترخي ونلاصق الحي الذي قام وأقامنا معه.
فاذا انتهى الصوم نبدأ اليقظة الدائمة على طهارة نفوسنا طالبين المحبّة. ونشدّ آحقاءنا لنسير الى الإخوة الذين يعوزهم الفرح. بلا هذا المسلك لا طريق الى السماء.
من أجل كلّ ذلك قال بولس: "افرحوا في كلّ حين وايضًا أقول افرحوا" (فيليبي ٤:٤). وهذا ليس فقط بسبب حدث جرى وهو قيامة الرب ولكن بسبب من انتصارنا على الخطيئة والموت في عميق أعماقنا.