مبادرة أوباما للرئيس الايراني المقبل؟ – محمد السمّاك – المستقبل

اذا كانت "دبلوماسية كرة الطائرة" قد نجحت في اذابة جليد العلاقات بين الولايات المتحدة والصين، مما فتح الأبواب أمام زيارات وزير الخارجية الاسبق الدكتور هنري كيسنجر ثم الرئيس الاميركي نفسه ريتشارد نيكسون الى بكين.. فهل تنجح "دبلوماسية الرسائل الالكترونية" في اذابة جليد العلاقات بن الولايات المتحدة وايران؟. وهل نتوقع في وقت لاحق ان نرى وزيرة الخارجية هيلاري كلينتون وحتى الرئيس باراك أوباما نفسه في طهران؟
عندما دعا الرئيس أوباما ايران في رسالته المسجلة بمناسبة عيد النيروز الى فتح صفحة جديدة والى الدخول في حوار ايجابي وبنّاء لم يفاجئ أحداً. فالرئيس الاميركي الذي يواجه في الداخل أصعب أزمة اقتصادية مالية تتعرّض لها بلاده منذ العشرينات من القرن الماضي، يواجه تحديين تستطيع ايران ان تلعب في كل منهما دوراً أساسياً.
التحدي الأول هو تنفيذ الوعد الذي قطعه على نفسه للأميركيين بالانسحاب من العراق. اما التحدي الثاني فهو حسم الموقف في افغانستان لمصلحة الولايات المتحدة وحلفائها في حلف شمال الأطلسي.
تستطيع ايران ان توظف الانسحاب من العراق المجاور لها غرباً لتوسيع نفوذها فيه، الأمر الذي يزيد من قلق وحتى من غضب الدول العربية على السياسة الاميركية في المنطقة. وتستطيع ايران ان تعطل الحسم الاميركي في أفغانستان المجاورة لها شرقاً وذلك بدعم جماعات محلية على النحو الذي كانت تفعله في السابق، عندما كانت أفغانستان تحت سيطرة الطالبان.
ويبدو ان الرئيس أوباما مستعد لأن يدفع لايران ثمن عدم تسهيل عملية الانسحاب الاميركي من ايران، وعدم تسهيل حسم الصراع في أفغانستان. وهو ثمن له انعكاساته السلبية على العلاقات العربية الاميركية من جهة أولى، وعلى العلاقات الاسرائيلية الاميركية من جهة ثانية.
فالدول العربية تخشى من ان تعطي الولايات المتحدة الجمهورية الايرانية ضوءاً أخضر لممارسة دور الدولة المهيمنة على المنطقة، الأمر الذي يرسم علامات استفهام حول مستقبل الجزر العربية الثلاث في الخليج (طنب الكبرى وطنب الصغرى وأبو موسى)، كما يرسم علامات استفهام حول حدود هذه الهيمنة الايرانية انطلاقاً من العراق.. وامتداداً حتى لبنان (حزب الله).
اما اسرائيل، وبعد فوز اليمين المتطرف بالانتخابات البرلمانية الأخيرة، فان قلقها منصبّ على الملف النووي الايراني بصورة خاصة. صحيح ان ايران أعلنت مرات عديدة في السابق انها لا تنوي انتاج سلاح نووي، ولكن اسرائيل التي تملك اكثر من مائتي قنبلة نووية مختلفة الأحجام، لا تصدق الاعلان الايراني.. وليست مستعدة للمغامرة بمنح ايران فرصة لإثبات حسن نواياها.
وهذا يعني انه مقابل تسوية المتاعب الاميركية في كل من العراق وأفغانستان قد تعرّض الولايات المتحدة نفسها الى متاعب في كل من المجموعة العربية واسرائيل، على ما بين الطرفين من تناقض وعداء.
قد يعمد الرئيس أوباما الى التقدم خطوة اخرى الى الأمام في محاولة منه لاسترضاء العالم العربي. وتتمثل هذه الخطوة في العمل بجدّ على تنفيذ مشروع الدولتين الاسرائيلية والفلسطينية، وذلك على قاعدة المبادرة العربية لعام 2002 التي أقرّتها قمة بيروت وأعادت تأكيدها قمة الرياض 2007، والتي طالب الرئيس أوباما بادخال بعض التعديلات عليها.
غير ان هذا الأمر قد يدفع بالعلاقات الاميركية مع اسرائيل الى مستوى متقدم جداً من التدهور ؛ الأمر الذي يطرح تساؤلات حول ما اذا كان الرئيس أوباما يمكن ان يمارس الدور الذي أدّاه في عام 1956 الرئيس الاميركي الاسبق الجنرال ايزنهاور عندما ضغط على اسرائيل (بعد العدوان الثلاثي البريطاني الفرنسي الاسرائيلي على مصر) للانسحاب من قناة السويس ومن سيناء، كلها دون اي مقابل؟.
لقد بدأت ترتفع داخل الولايات المتحدة أصوات تنتقد الرئيس أوباما على قاعدة تصوير مبادراته في السياسة الخارجية وكأنها قفزات في المجهول. وهي انتقادات تشكل سابقة بالنسبة لاي رئيس اميركي لم يمضِ على تسلّمه مقاليد السلطة في البيت الأبيض سوى بضعة أسابيع. وقد درجت العادة ان يجري تقويم سياسة الرئيس الجديد بعد انتهاء المائة يوم الأولى من ولايته. ولكن يبدو ان المنتقدين لا يملكون القدرة على الانتظار بسبب ما تتسم به مبادراته من جرأة في الطرح شكلاً ومضموناً.
مع ذلك لا يبدو ان الرئيس أوباما كان معنياً بتوجيه مبادرته الى الرئيس الايراني أحمدي نجاد او الى الحكومة الايرانية الحالية، بقدر ما كان يرغب في توجيهها الى الناخب الايراني الذي يستعد لانتخاب رئيس جديد للجمهورية. يدل على ذلك الردّ الذي اتسم بتحفظ سلبي الصادر عن الامام الخامنئي.
وتعترف الدبلوماسية الاميركية انها اقترفت خطأً فادحاً في عهد الرئيس الايراني السابق محمد خاتمي عندما تعاملت معه بحذر وعدم ثقة، ثم عندما ذهبت الى أبعد من ذلك فتعاملت معه بسلبية ؛ وكان من نتيجة ذلك ان خاتمي فشل في تحقيق التغيير الذي وعد به الناخب الايراني وخاصة جيل الشباب المثقف. وانطلاقاً من هذا الاعتراف يمارس الرئيس الاميركي في مبادرته نحو ايران نوعاً من النقد الذاتي للدبلوماسية الاميركية، ويطرح بايجابية وانفتاح ما رفض ان يقدمه الرئيس السابق جورج بوش.
من هنا يبدو بوضوح ان ثمة تغييراً حقيقياً في الدبلوماسية الاميركية تجاه طهران، وان هذا التغيير ليس شكلياً فقط، بمعنى انه ليس مجرد استبدال الانفتاح بالمقاطعة، ولكنه تغيير جوهري ايضاً، يقدم لايران حوافز مشجعة.. يخشى ان تتحوّل الى جوائز ترضية على حساب الآخرين.. والآخرون هنا هم تحديداً، وربما حصراً الدول العربية!!