فولكلور القمة – ساطع نور الدين – السفير

المهرجان الفولكلوري كان مختصرا هذا العام، لكنه احتوى على كل عناصر الاثارة التي تسعى الى اجتذاب جمهور عربي سئم من مثل هذه المهرجانات وبات يعتبرها حدثا سنويا عابرا، يهدف الى المحافظة على التقليد، اكثر مما يعبر عن الرغبة في التجديد.
صارت القمم العربية العادية مملة اكثر من اي وقت مضى، برغم انها لا تزال المناسبة السنوية التي تجمع زعماء 22 دولة في قاعة واحدة، يدّعون الانتماء الى امة واحدة، ويزعمون الالتقاء على مصير واحد، ويتحدثون بلغة واحدة.. ويعملون على تقليد التكتلات الاقليمية والدولية الكبرى التي تعقد مؤتمرات دورية تناقش قضايا جوهرية، وتتخذ قرارات تساهم في صنع التاريخ، ولو بدرجات متفاوتة.
استوفت قمة الدوحة الشكل بالكامل: آي من الذكر الحكيم، تلتها عملية تسلم وتسليم للرئاسة الدورية، ثم خطابات مكررة، يقطعها الشغب الليبي المعهود، ويقاطعها التمرد اليمني المألوف، ويغيب عنها بعض الزعماء العرب لأسباب خاصة، ثم صورة جماعية باهتة ترسل الى الارشيف العربي، وتسبق جلسة ختامية احتفالية، صيغ بيانها النهائي على عجل، ووزعت قراراتها على من يرغب من هواة حفظ الوثائق التي ليس لها اي قيمة.
اختصار القمة ليوم واحد، واختزال جلساتها المغلقة الى جلسة يتيمة وعاجلة، كان له اكثر من سبب: ثمة من قال إن الزعماء العرب لا يمكن ان يناموا ليلة واحدة معاً، من دون ان تنفجر الخلافات في ما بينهم. وثمة من روج ان بعض الزعماء لا يستطيع ان يبيت خارج قصره لانه يخشى ان يعود فلا يجده. وثمة من رأى ان بضع ساعات تكفي لمثل هذا اللقاء العربي الذي يعقد في الوقت الضائع بين سلسلة من التحولات الخارجية المهمة. وثمة من نسب الى محطات التلفزيون الفضائية الرغبة في الا تطول القمة كي لا تضطر الى الغاء برامجها المعتادة وتخسر مشاهديها!
لم يصدق احد من الجمهور العربي تلك المصالحات الشخصية التي تمت على هامشها، ولم يؤمن احد بأن الزعماء العرب يمكن ان يتوصلوا الى آلية لادارة خلافاتهم، ولم يكترث احد لمتابعة اعلان الدوحة ولا لقراءة القرارات الختامية، التي كانت استنسخت عن قرارات قمم سابقة، واضيفت اليها بعض التفاصيل الصغيرة التي استدعتها التطورات الاخيرة في السودان او الصومال او جزر القمر.
اللقاء بحد ذاته مهم طبعاً، لكن الزعم بأنها قمة ترسم مجمل السياسة العربية للسنة المقبلة يلحق الضرر بالزعماء العرب انفسهم، الذين يكررون كل عام تقريبا الوقوع في الفخ نفسه: التعامل مع قضايا الامة دفعة واحدة، من دون تحديد للأولويات ولا الاختصاصات، بينما يقوم نظراؤهم الاوروبيون او الاميركيون او الآسيويون مثلاً، بتحديد شعار لأي قمة من قممهم، وإعداد جدول اعمال مختصر بقضية مركزية واحدة تحتاج الى نقاش وقرار تسبقه صياغات وحسابات مطولة، لكي يصبح جاهزا للتوقيع والتنفيذ
لا يمكن لأحد ان يسلم بحقيقة ان عقول الزعماء العرب قادرة على استيعاب هذا الكم من الازمات العربية الكبرى، او ان رؤوسهم قادرة على حفظ تلك القرارات التي تصدر سنوياً…

ساطع نور الدين – السفير