//Put this in the section //Vbout Automation

انتقام الصفوية من علي شريعتي — النائب الدكتور مصطفى علوش

انتقام الصفوية من علي شريعتي

 




" تحلو الحياة لجاهل أو غافل
                                    عما مضى منها وما وما يتوقع"
                                                                               المتنبي

 

أصل الصفوية يعود إلى الشيخ المتصوف "صفي الدين الأردبيلي"  المولود عام ۱۳۳٤، وكان قد ركز أنشطته في "اذربيجان"، وانتقلت طريقته من بعده إلى ابنه ومن ثم إلى حفيده "صدر الدين خواجة" الذي تحول إلى المذهب الإسماعيلي، ومن بعدها تحول أحفاد الاردبيلي من شيوخ طريقة إلى أصحاب دعوة سياسية تهدف إلى إقامة دولة مبنية على أساس المذهب الإسماعيلي.

وقد كان أجواء إيران في القرن الخامس عشر ناضجة لكي يتجمع حول الحركة الصفوية المزيد من الأنصار في ظل الفوضى القبلية التي تسببت بها القبائل التركمانية التي كانت تسيطر على إيران.

وقد اختلفت المراجع في نسب الصفويين الذين كانوا يفاخرون بأنهم نتاج مصاهرة هامشية- فارسية.

تم تتويج اسماعيل الصفوي، بعد سلسلة من المعارك، ملكاً على إيران سنة 1502 بعد احتلاله "تبريز" واعلانه لها عاصمة لمملكته. مباشرة أعلن فرض المذهب الشيعي مذهباً رسمياً للدولة، ولحاجته إلى الخبرات العلمية الشرعية لإتمام تحويل الدولة، توجه بالدعوة إلى علماء "جبل عامل" للمجيء إلى إيران لمعاونة "شاه اسماعيل" في الإدارة الشرعية لحكمه. وقد كان أبرزهم "المحقق الكركي" الذي تبوأ أعلى المراتب في عهد الشاه الأول، وصار داعية الشاه "طهماسب الأول" ثاني الملوك الصفويين بعد موت الشاه اسماعيل. وفي عهد طهماسب روج المحقق الكركي لمبدأ وكالة المهدي ونسبها إلى ملوك السلالة الصفوية، وكان مبدأ "لاية الفقيه" قد ظهر قبل ذلك بقرن ونصف في جبل عامل على يد الشهيد الاول "محمد بن مكي الجزيني". والجدير ذكره أن معظم الأدبيات في الفقه الشيعي كانت على يد علماء جبل عامل أمثال الأئمة حسين عبد الصمد الجباعي وابنه بهاء الدين العاملي صاحب كتاب "جامع عباس" الذي يعتبر أحد أعظم الكتب تأثيراً في العالم الإسلامي. كما تعتبر كتب "وسائل الشيعة" للحر العاملي و"الوافي" للفيض الكاشاني و"بحار الأنوار" للمجلسي من أهم منتجات العهد الصفوي في التشريع الشيعي.

وسع الشاه "عباس الأول" الامبراطورية الصفوية بين سنتي 1587 و 1629 وضم إليها البحرين واذربيجان وأرمينيا وأجزاء من أفغانستان وعاد وضم العراق وكردستان بعد أن خسرها أسلافه للدولة العثمانية.

تناوب على الحكم في العهد الصفوي أربعة عشر شاهاً من سنة 1501 إلى 1773 ولكن نهاية حكمهم الفعلي كانت سنة 1726 عندما اجتاح الأفغان إيران واعدموا "شاه حسين" وأقاموا حكومة ظل صفوية يحكمها شاه دون سلطة فعلية.

الشعبوية:

يعتبر بعض المؤرخين أن الحركة الشعبوية المناوئة للعرب، بدأت في صدر الإسلام كردة فعل على سقوط الإمبراطورية الساسانية الفارسية في عهد الخليفة "عمر بن الخطاب"، كما أن البعض يعتبر اغتيال الخليفة على يد "أبو لؤؤة الفيروزي" كأول عمل انتقامي للحركة الشعبوية (لا يزال ضريحه مزاراً في إيران). ومع أن بوادر الشعبوية كحركة، ظهرت في عهد الخلافة الأموية إلا أن تأثيرها الأكبر كان في العهد العباسي حين استعان بأعضائها الخليفة "المأمون" ضد أخيه "الأمين". وكان "أبو مسلم الخراساني" أهم وجوهها. وقد ظهرت أدبيات الشعبوية في الكثير من الأعمال كشعر "أبو القاسم الفردوسي" التي مجد فيها تاريخ فارس وحضارتها وشتم العرب في ملحمته المشهورة "الشاهنامه" (ملك الكتب) كقوله:

 "من شرب لبن الإبل وأكل الضب!

بلغ العرب مبلغاً أن يطمحوا في تاج الملك؟

فتباً لك أيها الزمان وسحقاً؟"

كما ظهرت آثار هذه الحركة في التفاخر في سلوك اجتماعي وعادات مأكل وملبس وطقوس خاصة بالفرس قبل الإسلام مرفقة بالتهكم والإنتقاص من عوائد العرب ومظاهرهم. وينسب البعض هذه الحركة إلى دسائس يهودية ولكن أهم نتاجات الحركة الشعوبية فهي الدولة الصفوية التي أضافت بعداً عقائدياً إلى التعصب القومي وبنت ملكها وسلطتها على نشر الحقد القومي والمذهبي المغلفة بقناع "الدفاع عن أهل البيت ونصرتهم". كما أن الشعائر والطقوس والأدبيات التي تم تأسيسها في العهد الصفوي كان لها الأثر الأبلغ في ترسيخ الإنقسام الإسلامي وتشعبه وفي زيادة حدته، خاصّة أن هذه الممارسات والقناعات طبعت إيران وجزءً من محيطها في العهود التي لحقت من "أفشاريد" و "زنديين" و "قاجاريين" وحتى العهد "البهلوي" الذي ابتدأ في سنة ۱۹۲٥ الذي تعايش مع الواقع المذهبي وطقوسه رغم كونه الشاه من الطائفة البهائية.

 

علي شريعتي

 

مع أن أفكار وكتابات ونضالات الدكتور "علي محمد تقي شريعتي" كانت الملهم الأول للثورة الإيرانية، إلى جانب الشخصية الكاريزمية للإمام "الخميني"، فإن استشهاده سنة ۱٩۷۷ بطريقة غامضة، حرم إيران من دور مركزي كان يجب أن يلعبه في إنشاء الحكم الفتي، وربما إخراجه من سلطة الملالي التي فرضت نفسها بعد سنة من الحكم المدني الذي انتهى سنة ۱۹۸۰بانقلاب وضع الحكم في إيران تحت السلطة المطلقة للولي الفقيه.

فعلي شريعتي، المفكر الشيعي والمقتنع بشيعيته، ولد قرب "مشهد" عام ۱۹۳۳ وتخرج من كلية الآداب بها عام ۱۹٥٥ وحصل من فرنسا على دكتوراه في تاريخ الإسلام وعلم الإجتماع. انضوى في شبابه في حركة "مصدق"، رئيس وزراء إيران الذي أطاح بالشاه "محمد رضا بهلوي" قبل أن تعيده ثورة مضادة نسجتها المخابرات الأمريكية-البريطانية.

يعد علي شريعتي فيلسوف الثورة الإسلامية في إيران وقد لقب بـ"المعلم". لقد كان واحداً من القلائل الذين تجردوا عن التمذهب والتشدد، وسعى إلى الوحدة الإسلامية التي رسم معالمها في كتاب "التشيع العلوي والتشيع الصفوي".

فبعد تجربته الفرنسية حيث نسج علاقات مع جبهة التحرير الجزائرية ومع رواد الفكر الوجودي مثل "فرانتز فانون" و "جان بول سارتر". عاد إلى إيران بعدها ليؤسس "حسينية الإرشاد" وهو المعهد الذي هاجم فيه تعصب رجال الدين الشيعة ضد السنة وحاول وضع أفكار لبناء دولة إسلامية غير مذهبية من خلال العودة إلى "التشيع العلوي والتسنن المحمدي" في مواجهة "التشيع الصفوي والتسنن الأموي".

ويقول شريعتي أن الحركة الصفوية ورجال الدين المرتبطين بها عملوا على ترسيخ التعصب المذهبي من خلال دمجه في القومية الفارسية. ويتهم "المعلم" الصفويين بتأجيج الكراهية بين المسلمين من خلال إصرار ملاليهم على الترويج لشتم الصحابة وإجبار الناس على مجاراتهم، ووصف هذه الممارسات بـ"الوحشية" و"الإرهابية" واصفاً هذا النوع من التشيع بأنه "تشيع الجهل والفرفة والبدعة، وتشيع المدح والثناء للسلطات، وتشيع الجمود والركود بتأدية طقوس عبادية ومذهبية دخيلة على التشيع الأصيل" كما أنه صرح بأن "كل رموز التشيع الموجود في إيران وشعائره، هي رموز مسيحية ومظاهر مسيحية، أدخلها الصفويون على يد طلائع الفكر الغربي، لكي يفصلوا إيران عن الإسلام السني الذي كان مذهب الدولة العثمانية عدوتها التقليدية، كما أن الصفويين تحالفوا مع الأوروبيين ضد العثمانيين مما أودى بإيران وبالعثمانيين معاً" كما أنه يقول "لو خرجت كل الطقوس الدخيلة على التشيع فلن يبقى هناك أي خلاف يذكر بين المذاهب".

ويوصي علي شريعتي بـ"العودة إلى الذات الإسلامية وطرح إسلام عالمي أممي عابر للقوميات والمذاهب لكونه فكر رسالي عن طريق "اسكات الخلافات المذهبية".

كما أن علي شريعتي انتقد نفاق الكثيرين من رجال الدين الذين سماهم فقهاء السلطان في تزييف الوعي وإعادة تشكيله في كتابه "الإستحمار".

وشرح "المعلم" في كثير من المواقع الفرق بين تقية التشيع العلوي التي تتحفظ عن الإجهار بما يخلف بين المذاهب تجنباً للفتنة وبين تقية التشيع الصفوي الذي يستخدم كوسيلة للغش والخداع في حين يجاهر بالسباب والشتائم للصحابة إمعاناً في تأجيج الخلاف.

لا شك مما تقدم أن أفكار علي شريعتي كان يهدف إلى هدم مؤسسة عمرها أكثر من ٤٥۰ سنة بنيت عليها مصالح متشعبة وعادات وطقوس أصبحت في حكم المقدس مما وضع القسم الأكبر من رجال الدين المعاصرين في إيران في مواجهة معه، كما أن عمق أفكاره، وبعض الأحيان تشتتها وصعوبة فهمها، جعلتها غير قابلة للصرف إلا في أوساط النخب مما سهل على رجال الدين اجتياحها بسرعة بعد سنة من انتصار الثورة الإسلامية التي كان شريعتي معلمها.

 

الإنتقام الصفوي

 

لم تمضِ سنة على إقامة الحكومة المدنية الإنتقالية بعد الثورة الإيرانية، حتى تم إقصاء كل حلفاء الإمام الخميني السابقين من غير رجال الدين عن مواقع السلطة وتم مركزة كل السلطات في شخصية "المرشد" الذي تحول بسرعة إلى موقع "الوكالة عن المهدي المنتظر"، معيداً لقب "الولي الفقيه" إلى التداول. ورغم توجه مؤقت يدعو إلى الوحدة الإسلامية، بقيت الأدبيات الصفوية، والطقوس والعادات المؤسسات الموروثة منذ أربعة قرون ونصف هي المهيمنة على الحياة العامة، ولكن الفرق هو أنه بدل أن يكون رجال الدين في خدمة السلطات، أصبحت السلطة في يد واحد من رجال الدين الذي ما لبث أن أعلن نفسه إماماً معصوماً ذي سلطة مطلقة في أمور الدين والدنيا.

وقد تمت حماية وتقوية موقع الولي الفقيه من خلال شبكة من المؤسسات هيمنت على مختلف الأنشطة الوطنية من أمن وجيش ومخابرات واقتصاد مثل "مجمع تشخيص مصلحة النظام" إلى "الحرس الثوري" الذي يدير "مؤسسة الشهيد" و "جهاد البناء" و "التعبئة العامة" و"مجلس الأمن القومي" و "الحوزات الدينية" بالإضافة إلى ميليشيا "الباسدران" التي تعدد بالملايين وتنتشر في مختلف مواقع المجتمع الإيراني.

بعد فشل مبدأ تصدير الثورة، وإحياء العصبية المذهبية من خلا الحرب العراقية الإيرانية، عادت الأفكار الشعبوية الصفوية للهيمنة على الفكر القومي الإيراني، مغلفاً، كما في العهد الصفوي بمنطق القداسة المتمثل في الوكالة عن المهدي. وهكذا تكون الصفوية قد أتمت انتقامها من أفكار علي شريعتي وقضت على المحاولات المتجددة للعودة إلى الوحدة الإسلامية على أساس "التسنن المحمدي والتشيع العلوي".